Op-Ed in Arabic

April 2, 2020

Description: This is my take on the cognitive dissonance that students coming from our background and paradigms face at academic institutes abroad. There is a subtle incompatibility between their expectations of what education is (pedagogic, skill building, professional, and for a cause) with the reality that they usually find (impersonal, capacity building, independent, and self-driven). The root of this is a fundamental incommensurability in the definitions of work, employment, and education.

 

من المشاكل التي تواجه الطلّاب والخرّيجين الجدد، بالذات المغتربين منهم، هو التشكيك في أنفسهم وفي قراراتهم. إنّهم يواجهون ارتباكاً في تحديد طموحهم وتبرير شغفهم والتوفيق بينه وبين أعمالهم. يتشاطرون الدراسة بل وحتّى الأشغال نفسها مع زملائهم، لكنّ شعوراً معيّناً بالتقصير أو بالحيرة يجعل الطالب يشكّك في أمره. المشكلة هنا ليست في الأفعال، بل في منظور الحياة. الطلّاب يحاولون محاكاة خط مسير من المحطّات الحياتيّة القائمة على الواجب، والتي اعتمدها الجيل الماضي من مجتمعاتهم العربيّة (دراسة فوظيفة فرزق فزيجة وكلّه في خدمة البلد)، وفي نفس الوقت يحاولون مجاراة زملائهم الذين يتصرّفون بشكل مائع أكثر (دراسة وعمل وحياة وأمل وكلّه في خدمة نفسي). قد يترجم هذا التشكيك في الطعن في مجال التخصّص أو في الوظيفة الحاليّة أو في رشاد الطالب نفسه، وقد يصاغ على شكل خيارات: هل أتنازل عن مبادئي وقضاياي في سبيل “عيش الحياة”، أم هل أضحّي عن هواي في سبيل “رفع الراس”؟

الخلل هنا له قسمان: قسم داخلي يتعلّق بصعوبة ترتيب الأفكار داخليّاً، وقسمٌ خارجيّ مرتبط بحالة مزمنة من سوء التفاهم مع المؤسّسة التعليميّة وسوء العمل اللّاحق لها. الجزء الخارجيّ، والذي يمثّله المجتمع الأكاديميّ والمؤسّسة الجامعيّة التي تتبنّى المنظور اللّيبرالي للتعليم، يتبنّى نهج “تعلّم كيف تتعلّم”، حيث تكون فيه الشهادة بمثابة دليل على القدرة على تحصيل المعلومات بشكل مستقل وفي بناء العلاقات والتشبيك. هذا يأتي خلافاً للنظام التلقيني المهني، حيث النهج هو “اسمع وتدرّب”، حيث تكون الشهادة فيه أقرب إلى رخصة مزاولة مهنة. في الأوّل تكون المؤسّسة التعليميّة مجرّد حاضنة تمكّن الطالب من تطوير فضوله بشكلٍ عام عبر تمكينه بالموارد، بينما في الثاني تكون المؤسّسة معهداً يُنتج مهنيّين ذي تدريبٍ متخصّص ودورٍ خاص ليؤدّيه بعد التخرّج.   

هذا الفرق في المنهج والأسلوب يعود إلى اختلاف الأهداف، فالمعرفة ليست العلم وليست الإدراك. العلّة ليست في اختلاف النظام والمنهج التعليمي، بل هي في إدارة التوقّعات وتوفيقها مع الطموحات، أي القسم الداخلي من الخلل. سوء التوفيق بين الطموح الذاتي وبين المساءلة المجتمعيّة (السكّة الحياتيّة) وبين توقّعات البيئة الأكاديميّة يعود إلى أبسط الأسس، وهي اختلاف في توظيف المصطلحات. فكما سوء ترجمة كلمة بين لغتين سيؤدّي إلى حوار غير بنّاء، فإنّ سوء ترجمة التطلّعات إلى مصطلحات داخليّة يؤدّي إلى تنافر إدراكي يشوّش على الطالب تقييمه الذاتي ويجعله يشكّك في نفسه ويحرمه من الصفاء المطلوب للتخطيط المستقبلي. الأمر أكبر من مجرّد فروقات لغويّة، فهو الفرق بين منظومة فكريّة سليمة ومتناسقة، وبين حالة ارتباك مستديم واستنزاف نفسي. وأكثر هذه المصطلحات إرباكاً هي التّي تتعلّق بالعلم والعمل، التي تؤثّر مباشرةً على علاقة الطالب بمنتوجه وواجبه تجاه المجتمع. وحتّى يقدر الطالب على تنظيم أفكاره، عليه فكّ الإبهام في هذه المصطلحات، كي يتمكّن بشكلٍ أدقّ من فهم سوء التناسق بين منظوره الحياتي وبين متطلّباته الدراسيّة والعمليّة.

أوّل وأبسط هذه المصطلحات هي الحرفة، وهي إجادة استخدام الأدوات وبذل الجهد من أجل تحويل المواد الخام إلى قطع منتجة ملموسة ذات قيمة مضافة، حيث ترمز القيمة لبدل الوقت المضحّى به في صناعة المنتج وفي تعلّم المهارات اللّازمة للتصنيع، كالرسم بالفحم أو لحام المعادن. والصنعة أوسع من الحرفة بفارق أنّ لها اسم فاعل وموقع من الإعراب المجتمعي يجني لحامله الدخل، وبالعادة يكون هناك سلّم هرميّ لممارسها. فالنجار والحدّاد والسمكري كلّهم صنايعيّة، منهم الصبّي والمتمرّس والمعلّم وصاحب المصلحة، وكلّهم حرفيّون. وتأتي المهنة في الحلقة الأوسع لتحمل في طيّاتها الصنعة، والتي بذاتها حرفة ذات هيكليّة وصاحبة دخل، مع الفارق الرئيسيّ أنّ نقطة البداية للمهنة هي حال وليست مادّة، وأنّ النتيجة هي اختلاف محسوس وليس بالضرورة ملموساً. فالمحالمي يبدأ من حالة ملكيّة معقّدة يستخدم بها مفاهيمه ومرافعاته ليصل إلى نتيجة هي حلّ الخلاف، وإن لم يتغيّر أي شيء في الواقع الفيزيائي سوى توقيع على ورقة. وممّا ورثناه في ثقافتنا هو “سلّم هرمي مهني”على رأسه الأطبّاء والمهندسون والمحامون، دون التفكير مليّاً في القيمة الحقيقيّة لكافّة المهن الأخرى التي تسدّ فروض الكفاية عن ذلك المجتمع نفسه.

لكنّنا أكثر ما نسمع عن الوظائف، وما الوظيفة سوى مهمّات تؤدّى في سبيل الحصول على تعويض أو عائد أو مردود، ليست الغاية فيها جزءاً من المعادلة، ولا المنتج ولا سلّم التدرّج ولا الأفق، فهذا كلّه من نطاق المهنة. الوظيفة تُعنى بالاستقرار، حيث يوفّر العقد للموظّف القدرة على حساب الدخل الثابت والتطلّع لنوع من الاستباب في الأمور. وكلّ من المهنة والوظيفة قاسمهما الشغل، الذي هو نقيض العطلان، الذي بالأصل يعني القيام بشيء منعاً لحالة اللّاشيء، كما ينشغل المرء بالتفكير أو بالتأمّل، لكنّه بالاصطلاح يعني الانشغال الذي يجني به المرء شيئاً. وأمثلةً على ذلك كلّه: المحاسب صاحب مهنة، وإن كان في شركة كان ذي وظيفة، وربّة المنزل صاحبة مهنة التدبير والتربية رغم أنّها لا تقبض مقابلاً على ذلك، والطالب يمتهن الدراسة وقد يحظى بوظيفة في مكتبة، فيكون كلاهما شغله – واحدٌ يجني منه المال والثاني يُنفق عليه.   

ولكنّ الحبكة تكمن في الشعور بالرضى، والذي هو تحقيق الذات وإثبات علّة الوجدان، وهذا لا يأتي إلّا بالعمل، وما العمل إلّا الجهد المبذول طوعيّاً من أجل إحراز تغيير إيجابيّ ملموس في العالم المحيط. فتنظيف الشارع درءاً للأذى عمل، وتوثيق التاريخ ونظم الأشعار في سبيل تعزيز الهويّة الوطنيّة عمل، كما أنّ الصلاة والصوم في سبيل تصفية الأهواء عمل، والشاهد قوله تعالى “إنّا لا نٌضيعُ أَجرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلا”. والميزة التي تفصل العمل عن الشغل هي أنّ العمل يأخذ بالنيّة كما بالنتيجة ويكون امتداداً لصاحبه لا مجرّد حالٍ له، فأن تكون أجيراً عند صاحب مصلحة أو موظّفاً في شركة مجرّد وضع حالي يعبّر عن حالك المالي وموقعك الجغرافي، لكنّه لا يشهد لشخصك ولإمكانيّاتك ولطموحك، فكما قال بولس لأهل تسيلونيكي “إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً”، ووجه الشاهد هنا أنّ الشغل هو استرزاق في سبيل توفير أساسيّات الحياة، وبينما العمل هو منهج الرضى لأنّه دليلٌ على عوامل ذاتيّة انبثقت عن الإرادة الداخليّة.

 وخلاصة تعاريف كلّ من هذه أنّ الشغل يحجب الضجر ويُلهي عن ضجيج الأفكار والهموم، والمهنة هي تعزيز للنفّس عبر بناء هويّة معترف بها مجتمعيّاً، عدا عن وجود استثمار عاطفي مباشر في علاقة الإنتاج بما يولّد الفخر، وأنّ الوظيفة هي البديل الموجود في الإقتصاد الخدماتي مابعد الصناعي الذي أحال العديد من المهن إلى الإنقراض وهو المفتاح الرأسمالي للاسترزاق، والعمل هو السعي الذاتي نحو التغيير للأفضل. في زمنٍ ما كانت هذه كلّها تأتي سويّاً، ولكن في زماننا هذا تفرّقت الخيارات وتغيّرت القطاعات. إذا درسنا ما ليس له مكافئ في عُرف بلادنا فهذا لا يعني أنّنا بلا قيمة مجتمعيّة، لأنّ المهنة ليست بالعمل. وإذا توظّفنا بما لا نهوى كي ندعم عوائلنا فهذا ليس تخلّياً عن مبادئنا أو تنازلاً عن طموحاتنا، لأنّ لا تحقيق للذات دون أن تتوفّر أساسيّات الحياة من مأكل ومشرب وطمأنينة للأقربين. علينا أن نتذكّر أنّنا خرجنا طلباً للعلم في سبيل حياةٍ أفضل لنا ولمن حولنا، فنحن ندخل الجامعة للحصول على تعليمٍ ننال به اسمهاً مهنيّاً يؤمّن لنا وظيفة تكون شغلنا، آملين أن تكون في إطار شغفنا، كي يصحّ لنا أن نجتهد بسعادة وعن قناعة، فنرى أنّ وجودنا مبرّر لأنّ عملنا محترم، وهذه من شروط الكرامة.

Posted by: Faiq Habash
N/A

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *